الشيخ محمد عبده

71

رسالة التوحيد

شعور يهيج بالأرواح إلى تحسس هذا البقاء الأبدي وما عسى أن تكون عليه متى وصلت إليه ، وكيف الاهتداء وأين السبيل ، وقد غاب المطلوب وأعوز الدليل ؟ شعورنا بالحاجة إلى استعمال عقولنا في تقويم هذه المعيشة القصيرة الأمد لم يكفنا في الاستقامة على المنهج الأقوم ، بل لزمتنا الحاجة إلى التعليم والإرشاد ، وقضاء الأزمنة والأعصار ، في تقويم الأنظار وتعديل الأفكار ، وإصلاح الوجدان وتثقيف الأذهان ، ولا نزال إلى الآن من هم هذه الحياة الدنيا في اضطراب لا ندري متى نخلص منه ، وفي شوق إلى طمأنينة لا نعلم متى ننتهى إليها . هذا شأننا في فهم عالم الشهادة ؛ فما ذا نؤمل من عقولنا وأفكارنا في العلم بما في عالم الغيب ؟ هل فيما بين أيدينا من الشاهد معالم نهتدى بها إلى الغائب ؟ وهل في طرق الفكر ما يوصل كل أحد إلى معرفة ما قدر له في حياة يشعر بها ، وبأن لا مندوحة عن القدوم عليها ، ولكن لم يوهب من القوة ما ينفذ إلى تفصيل ما أعد له فيها ، والشؤون التي لا بدّ أن يكون عليها بعد مفارقة ما هو فيه ، أو إلى معرفة بيد من يكون تصريف تلك الشؤون ؟ هل في أساليب النظر ما يأخذ بك إلى اليقين بمناطها من الاعتقادات والأعمال ، وذلك الكون مجهول لديك ، وتلك الحياة في غاية الغموض بالنسبة إليك ؟ كلا ، فإن الصلة بين العالمين تكاد تكون منقطعة في نظر العقل ومرامى المشاعر ، والاشتراك بينهما إلا فيك أنت ، فالنظر في المعلومات الحاضرة ، لا يوصل إلى اليقين بحقائق تلك العوالم المستقبلة . أفليس من حكمة الصانع الحكيم ، الّذي أقام أمر الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم ، الّذي خلق الإنسان ، وعلمه البيان ، علمه الكلام للتفاهم ، والكتاب للتراسل ، أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يعد لها بمحض فضله بعض من يصطفيه من خلقه ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ؟ يميزهم بالفطر السليمة ، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه ، والأمانة على مكنون سره ، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه ، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمه ، فيشرفون على الغيب بإذنه ، ويعلمون ما سيكون من شأن